محمد بن عبد الله بن علي الخضيري

872

تفسير التابعين

الإشكال بأن تكون ( ثم ) بمعنى الواو ، أو أن ( ثم ) للترتيب الذكري ، أو أن ( ثم أفيضوا ) معطوف على قوله : ( واتقون ) ، وقد أجاز بعضهم أن تكون هذه الآية متقدمة على تلك ، ولكنه مجرد احتمال « 1 » . وفي قوله تعالى : فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً « 2 » . نجد في هذه الآية الأمر بالذكر ، والذكر قد يكون عاما فيشمل كل ما دل عليه اسم الجنس هذا ، وقد يخصص فيكون المراد التكبير بعد الصلاة في يوم النحر ، وأيام التشريق ، لأنه لم يعرف في هذه الأيام ذكر خاص إلا هذا الذكر ، وقد يكون المراد غير ذلك . ولذا نجد أئمة التفسير يرجعون في استنباط الحكم من الآية إلى عادات العرب التي أشارت الآية إليها كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ . وهي أن القوم في جاهليتهم بعد فراغهم من حجهم ومناسكهم كانوا يجتمعون فيتفاخرون بمآثر آبائهم ، فأمرهم اللّه في الإسلام أن يكون ذكرهم بالثناء ، والشكر والتعظيم لربهم ، وقوله : أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً أي ( بل ) أشد ذكرا ، وجاء هذا المعنى عن مجاهد ، وقتادة ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة ، وغيرهم « 3 » . فتكون الآية تربية لهم لتحويلهم عن هذه العادة القبيحة ، فإن الأرضي بكم وقد أنعم اللّه عليكم بشهود الحج أن تشغلوا بذكر اللّه لا بذكر آبائكم ، يعني توافروا على ذكره ، كما كنتم تتوافرون على ذكرهم ، بل هذا أولى ، لأن ذكركم وثناءكم على آبائكم قد يكون كذبا « 4 » .

--> ( 1 ) انظر هذه الأجوبة في تفسير آيات الأحكام للسايس ( 1 / 110 ) ، وقد أجاب على الإشكال الثاني بأن ( حيث ) يمكن أن تكون للتوقيت بالمكان ، كما أنها للتوقيت بالزمان . ( 2 ) سورة البقرة : آية ( 200 ) . ( 3 ) تفسير آيات الأحكام للسايس ( 1 / 111 ) . ( 4 ) تفسير الطبري ( 4 / 187 ) ، الآثار 3835 - 3839 .